الشيخ محمد رشيد رضا
319
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم انه من اللّه تعالى فليحمد اللّه ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ باللّه من الشيطان » رواه الترمذي والنسائي وابن حبان . وعلم عليه في الجامع الصغير بالصحة . وقد أطال الامام الغزالي في ايضاح هذا المطلب في كتاب شرح عجائب القلب من الاحياء ، وتقدم في تفسير سورة البقرة من الجزء الأول بحث فيه . والماديون المحجوبون ينكرون مثل هذا « ومن جهل شيئا عاداه » ولو قيل لمن كان على شاكلتهم قبل اكتشاف هذه الجنة ( الميكروبات ) ان في العالم أنواعا كثيرة من المخلوقات الخفية التي لا يمكن ان يراها أحد بعينيه هي سبب الادواء والأمراض التي لا تحصى ، وهي سبب التغيرات والاختمارات التي نراها في المائعات والفواكه وغيرها - لقالوا انما هذه خرافة من الخرافات . وقد كان غير المسلمين يعدون من هذا القبيل حديث أبي موسى « الطاعون وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة » رواه الحاكم وصححه ، ثم صاروا بعد اكتشاف باشلس الطاعون يتعجبون منه بصدق كلمة الجن على ميكروب الطاعون كغيره ، وقد ورد ان الجن أنواع منها ما هو من الحشرات وخشاش الأرض وقد بين الأستاذ الامام النوع الأول في رسالة التوحيد أكمل بيان ، وبأوضح برهان ، واختصر في بيان النوع الثاني فقال : « أما أرباب النفوس العالية والعقول السامية من العرفاء ، ممن لم تدن مراتبهم من مراتب الأنبياء ، ولكنهم رضوا أن يكونوا لهم أولياء ، وعلى شرعهم ودعوتهم أمناء ، فكثير منهم نال حظه من الانس ، بما يقارب تلك الحال في النوع أو الجنس ، لهم مشارفة في بعض أحوالهم على شيء من عالم الغيب ولهم مشاهد صحيحة في عالم المثال لا تنكر عليهم لتحقق حقائقها في الواقع ، فهم لذلك لا يستبعدون شيئا مما يحدث به عن الأنبياء صلوات اللّه عليهم . ومن ذاق عرف ، ومن حرم انحرف ، ودليل صحة ما يتحدثون به وعنه ظهور الأثر الصالح منهم وسلامة أعمالهم مما يخالف شرائع أنبيائهم ، وطهارة فطرهم مما ينكره العقل الصحيح ، أو يمجه الذوق السليم ، واندفاعهم بباعث من الحق الناطق في سرائرهم ، المتلألئ في بصائرهم ، إلى دعوة